خطف وفدية وإرهاب واستثمارات… ماذا يفعل النظام التركي في الصومال؟

تقرير جديد يسلّط الضوء على الدورين التركي والقطري في منطقة القرن الإفريقي

في منتصف مايو الجاري، أطلق سراح موظفة الإغاثة الإيطالية سيلفيا رومانو، التي تعرضت لعملية خطف من جانب حركة الشباب الصومالية لقرابة العامين.

وكانت سيلفيا مختطفة في مكان ما على بعد 30 كيلومترا من العاصمة مقديشو، ولم يتم تحريرها عبر عملية كوماندوز خاصة، بل من خلال دفع فدية لم يكشف حجمهما، فيما تقول تقديرات إنها وصلت إلى ملايين اليوروهات.

وأثارت عملية إطلاق سراحها موجة اهتمام واسعة في إيطاليا، ويعود ذلك جزئيا إلى طريقة إطلاق سراحها، لا سيما دفع فدية لمنظمة إرهابية.

وسلط تقرير جديد الضوء على الدورين التركي والقطري في منطقة القرن الإفريقي، الذي برز على السطح إثر الإفراج عن موظفة الإغاثة الإيطالية التي كانت محتجزة لدى حركة الشباب الإرهابية في الصومال، وساعد على كشف تفاصيل العملية التي لا تزال غامضة حتى الآن.

وبحسب تقرير لمعهد الدراسات السياسية الدولية، ومقره مدينة ميلانو الإيطالية، فإن 3 أجهزة استخبارات شاركت في عملية إطلاق سراحها هي المخابرات التركية والإيطالية والصومالية، فضلا عن دلائل تشير إلى تدخل قطري. 

و”بخلاف هذه المعلومات المذكورة، فإننا لا نعرف سوى القليل عن عملية إطلاق سراح سيلفيا”، وفق تقرير المعهد الذي يسلط الضوء على دور الجهات المشاركة في العملية.

ورغم أن المعهد لا يملك الكثير من المعلومات حول تفاصيل إطلاق سراح الرهينة، فإنه يقدم معرفة معمقة حول القضية تستند إلى سنوات من البحث المتركز على الصومال والفاعلين الرئيسين هناك.

وقال إن الدور الرئيسي الذي أداه النظام التركي هو الاتصال بإيطاليا من أجل المساعدة، وهو ما أثار اهتمام وسائل الإعلام وسبب جدلا في إيطاليا.

وما فاجأ الكثرين، ليس في إيطاليا فحسب بل في أنحاء في العالم، حقيقة أن تركيا شاركت في عملية إطلاق سراح موظفة الإغاثة.

لكن المعهد قال إن التطورات التي حدثت خلال العقد الماضي جعلت من أنقرة الخيار الأوضح بالنسبة لروما، الساعية لإعادة مواطنتها المختطفة.

يقول المعهد الإيطالي إن الدور التركي يظهر في الصومال منذ عام 2011، إذ بدأت أنقرة تؤدي دورا سياسيا واقتصاديا هناك، تحت ستار مشروع مكافحة المجاعة، لكن سرعان ما أصبحت أنقرة منغمسة في الصومال، سياسيا واقتصاديا.

وكانت الشركات التركية العاملة في الصومال على علاقة وثيقة مع حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي يتزعمه رئيس الوزراء آنذاك رئيس النظام التركي حالياً رجب طيب أردوغان.

وبحلول عام 2014، سيطرت هذه الشركات على أكثر البنى التحتية في الصومال إدرارا للمال، وهي ميناء مقديشو ومطار العاصمة الدولي، بسبب نفوذها المتعاظم هناك.

لكن الخطوة الأكبر في الدور التركي بالصومال، التي كشفت خفايا نوايا أنقرة، كانت إنشاء قاعدة عسكرية في مقديشو عام 2017 تحت ستار “تدريب الجيش الصومالي وتحقيق الاستقرار في البلاد”، وأصبحت أكبر قاعدة عسكرية لتركيا خارج أراضيها.

ومن أجل تعزيز دورها المتغلغل في الصومال، توسطت تركيا بين العديد من المتنازعين في البلاد التي مزقتها الحرب منذ بداية عقد التسعينيات.

وباتت السياسة التركية في إفريقيا، ولا سيما في القرن الأفريقي، توصف بأنها محاولة لإظهار الطموحات الإمبراطورية القديمة التي يشار لها باسم “العثمانية الجديدة”.

وثمة عوامل كثيرة تدفع أنقرة إلى التمركز في الصومال خصوصا وإفريقيا عموما، مثل الرغبة في الوصول إلى الموارد الطبيعية للقارة، وفتح أسواق جديدة لرواد الأعمال الأتراك، وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية نسبية على المنافسين الإقليميين.

لكن وجود تركيا كقوة صاحبة نفوذ في الصومال قد لا يفسر سبب اتصال روما بأنقرة بشأن المساعدة من أجل إطلاق سراح مواطنتها في أواخر عام 2019.

ولعل السؤال الأبرز هو: ما الدور الذي لعبته المخابرات التركية في العملية؟

يقول المعهد الإيطالي إن الإجابة المختصرة هي أن الأتراك عملوا على الأرجح من خلال المخابرات الصومالية، مشيرة إلى أنه من المحتمل جدا أن تركيا استفادت من علاقتها الوثيقة بقطر من أجل إتمام العملية.

ما الذي يمكن أن تفعله قطر في إطلاق سراح سيلفيا رومانو؟ الحقيقة هي أن الدولة الصغيرة والغنية تتدخل بشدة في السياسة الصومالية منذ سنوات.

ففي عام 2006، كان لدى الدوحة نفوذ في الصومال يفوق ما لدى الساكن في فيلا مقديشو (مقر الرئيس الصومالي)، وذلك بفضل العلاقات التي أقامتها مع تنظيمات متطرفة، بحسب معهد الدراسات السياسية الدولية الإيطالي.

وظهر الدور القطري في الصومال إلى العلن من خلال دعم الدوحة لاتحاد المحاكم الإسلامية التي برزت قبل سنوات، وتمثل حركة الشباب الإرهابية الجناح العسكري لهذه المحاكم.

وقطر المعروفة بدعمها للمتشددين في الصومال، عرضت اللجوء على قادة المحاكم وعدد من أعوانهم.

فقادة مثل الشيخ شريف أحمد وجد ملجأ في إريتريا ثم في الدوحة، وأتاح وجود هؤلاء هناك إلى جانب الجالية الصومالية الكبيرة في قطر، نفوذا سياسيا لقطر في الدولة الإفريقية التي مزقتها الحرب، وساهم المال القطري الوفير في تعزيز هذا النفوذ.

وعلى سبيل المثال، فقد تم انتخاب الشريف شريف رئيسا للصومال في عام 2009 بمساعدة تمويل قطري كبير، لكن بعدما اختلف مع ساسية الدوحة تخلت الأخيرة عنه، ودعمت بديلا له في 2012، وهو أكاديمي غير معروف اسمه حسن شيخ محمود، وتكرر الأمر في عام 2017.

ويشير تقرير المركز الإيطالي إلى شخص يدعى فهد ياسين، الذي يعتبر أبرز الروابط بين الدوحة ومقديشو في السنوات الأخيرة، وهو أيضا المدير العام الحالي للاستخبارات الصومالية، ويمثل لغزا بالنسبة لكثيرين إذ يقال إنه يحمل جوازات سفر صومالية وكينية.

ويصف التقرير ياسين بأنه “بلا شك واحد من أقوى الرجال في الصومال”، مشيرا إلى أنه كان عضوا سابقا في المحاكم الإسلامية.

وبحسب المركز الإيطالي، فقد تم تعيين فهد ياسين لفترة من الوقت في شبكة الجزيرة القطرية، وبعد قضائه بعض الوقت في الدوحة أصبح الرجل الموثوق به بالنسبة لقطر في الصومال.

ولفت المركز إلى أن بعض الأموال التي سلمها ياسين إلى أفراد النخبة السياسية في الصومال، كانت مؤثرة في حسم نتائج الانتخابات الرئاسية أعوام 2009 و2012 و2017.

ورغم أنه يتولى إدارة المخابرات الصومالية، فإن الكثيرين يعتبرونه “شخصا متطرفا وعميلا قطريا” في الصومال.

ويخلص التقرير إلى أن فهد ياسين ودوره في المخابرات يساعد على فهم إطلاق سراح عاملة الإغاثة الإيطالية سيلفيا رومانو.

الأوبزرفر العربي

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق