الرابحون من تفجيرات مرفأ بيروت

د. طارق فهمي

 

جاءت تفجيرات مرفأ بيروت في توقيت له دلالاته السياسية والاستراتيجية والأمنية، حيث سبق التفجير استقالة وزير الخارجية ناصيف حتى لعجزه عن الاستمرار في عمله من جانب، وتحفظه وعدد من الوزراء على الاستمرار في أداء مهامه، والفشل في مواجهة الأزمات المتلاحقة التي تعرض لها لبنان مؤخرا، إضافة لحالة التأزم السياسي والاقتصادي اللافت، والتي أعلنت عن نفسها في تداعيات الأزمة الاقتصادية الكبيرة، والتي ضربت الداخل اللبناني بصورة مباشرة، وأدت إلى حالة من الفشل الحكومي في التعامل مع المشهد بصورة واضحة وكان طبيعيا أن تتأزم الأمور، خاصة وأن ما تم تداوله بضرورة استقالة الحكومة كحل طرح فعليا، إلا أن الأمر كان أكبر وأعمق من إعادة تشكيل حكومة جديدة في ظل غياب التوافق بين الرئاسات الثلاث، برغم التأكيد على أن الهدف بالأساس هو الاستقرار والوصول إلى التوافق الذي غاب طوال الأشهر الماضية، وتم التعبير عنه من خلال استمرار التظاهرات في الشارع اللبناني، وغياب الدعم الإقليمي والدولي برغم كل الوعود التي تلقتها الحكومة ولم تنفذ، ليأتي تفجير ميناء بيروت ليؤكد على وجود مستفيدين من هز استقرار لبنان وإدخاله في دوامة من الصراعات والمواجهات، والتي تذكر بمناخ الحرب الأهلية والتي كبدت لبنان الشعب والحكومات المتتالية خسائر ضخمة ومؤثرة .

في قلب الأزمة برغم كل ما يجري من تشويش سياسي متعمد من حزب الله الذي دخل في مواجهة عابرة مؤخرا مع إسرائيل بسبب حادث التسلسل، وهو ما يشير إلى أن حزب الله الذي زج بلبنان في تفاصيل الأزمة السورية المعقدة، ورفض كل الدعاوى لعودته إلى الوطن واستمراره في مواجهة إسرائيل، والتمسك بعدم نزع سلاحه، هو نفسه الحريص على عدم الدخول في مواجهة حقيقية مع إسرائيل سواء في الجولان أو مزارع شبعا المحتلة، وتمسك باستمرار قواعد الاشتباك مع إسرائيل، والتي لا تريد مواجهة حاسمة وتسعى إلى إنهاك الحزب وتصفية عناصره الميدانية واستمرار توجيه الضربات المباشرة لقواعد الحزب في سوريا ، ولهذا فإن الحزب مسؤول عن جزء كبير مما يجري خاصة وأن مدير الأمن العام اللواء عباس إبراهيم خرج ليؤكد على أن تخزين المتفجرات في الميناء هو السبب في الحادث، وكذب رواية وزارة الصحة بأن الانفجار نتيجة لألعاب نارية، وكأن الرجل يريد أن ينفي الاتهام الموجه لحزب الله، كما تتالت الرسائل غير المباشرة لتؤكد عدم وجود علاقة بين ما يجري في الداخل اللبناني وتوجهات ومواقف حزب الله، وإن كان- وبطبيعة الحال- جزءا كبيرا من الأزمة اللبنانية الهيكلية، والتي تعلن عن نفسها في صور متعددة، وبرغم التقدير بأن انفجارات بيروت قد تؤدي إلى توافقات بين بعض الأطراف المعنية في المعادلة اللبنانية الصعبة، وعودة سعد الحريري ووليد جنبلاط للانخراط معا، إلا أن الامر ليس بهذه الصورة المتوقعة في ظل وجود حزب الله ممسكا بقواعد التغيير الحقيقي، ليس فقط بتغيير الحكومة وبناء تشكيل وزاري جديد بل في المشهد اللبناني بأكمله، والذي يحتاج إلى ضوابط حقيقية ومؤثرة للعمل، خاصة إذا تحرك حزب الله على مسار ثان وقام بتسخين جبهة المواجهة مع إسرائيل في الوقت الراهن، وهو ما يسعي إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بالفعل، ويقف في مواجهته بعض وزراء تحالف أزرق أبيض في الحكومة، إضافة لبعض جنرالات هيئة الأركان الإسرائيلية، والذين يرون أن نتنياهو يسعى لتوظيف ورقة حزب الله في صراعه السياسي، ولهذا خرج نتنياهو يحذر حزب الله قبل تفجيرات بيروت بأربع ساعات فقط، وهو ما يشير إلى حضور إسرائيل في المشهد اللبناني، وفي قلب حادث التفجيرات والتي قد ترتبط بصورة أو أخرى مع ما جرى سلفا في إيران، حيث تتالت أعمال التفجيرات بصورة كبيرة ومباشرة طوال الأسابيع الأخيرة، ومست قطاعات استراتيجية لم تقتصر على منشأة “نطنز” فقط، بل ووصلت إلى أهداف مهمة في القطاع النووي الإيراني، والسؤال المطروح هل وراء هذه الأعمال إسرائيل، وهل يوجد ترابط في إطار استهداف حزب الله باعتباره وكيلا لإيران في الإقليم؟.

 لا شك أن حركة جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “موساد” كبيرة ومهمة في اتجاه إيران ولبنان، وقد يكون تنشيط جبهتي طهران / بيروت هدفا تكتيكيا واستراتيجيا للجانب الإسرائيلي، ولهذا كان ظهور رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على مسرح ما جرى في لبنان، وإعلانه رسائل التحذير الكبيرة قبل انفجارات بيروت والرسالة المهمة أن إسرائيل ما تزال تستهدف لبنان، ولن تنأى في تحركاتها عما يجري .

في كل الأحوال يجب التذكير ببعض النقاط أولها : أن حزب الله نفسه سبق وأن قام بعمليات مشابهة في عام 2008، وأن عناصر الحزب لديهم امكانيات وخبرات كبيرة في هذا الإطار وبطبيعة الحال لم يكن الحزب يسعى إلى إسقاط الحكومة أو إحداث فراغ ثانيها: جاء الحادث غير المسبوق في عدد القتلى والمصابين قبل أيام قليلة من احتمالات إصدار حكم قضائي من المحكمة الدولية في قضية رفيق الحريري، وأن هناك من ينقل رسالة مهمة لتيار المستقبل قبل صدور الحكم المتوقع، ثالثها : أن الرهان على رشادة الرئاسات الثلاث في لبنان في الوقت الراهن سيحتاج إلى ضوابط جديدة في ظل قواعد ومعايير حقيقية ينبغي أن توضع في الاعتبار، خاصة وأن عودة سعد الحريري للحكم وتولي منصب رئاسة الوزراء على سبيل المثال سيحتاج إلى اتفاق مختلف ودعم إقليمي ودولي وارتضاء داخلي، على اعتبار أن حزب الله سيظل ممسكا بقواعد التغيير، وهو ما يتطلب مواجهة حقيقية من كل القوى اللبنانية الأخرى من أجل الحفاظ على لبنان الوطن لا الطائفة .

 

 

 

 

الأوبزرفر العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى