سيناريوهات المشهد الليبي بعد ضرب قاعدة الوطية

د. طارق فهمي

تكشف التحركات التركية الأخيرة في ليبيا، وتتالي زيارات المسؤولين العسكريين والحشد العسكري المتصاعد والنوعي وغير المسبوق، أن تركيا لن تتراجع عن مسارها برغم كل الرسائل الإقليمية والدولية التي تم توجيهها إليها خلال الأسابيع الأخيرة بما فيها ضرب قاعدة الوطية، مع التأكيد على وجود ضوابط ومعايير للحركة التركية، والتي هي الخطوط الحمراء التي تم تحديدها في التعامل، وما تزال مطروحة في مواجهة التعاملات التركية الراهنة والمحتملة، ليس عند خط الجفرة وسرت بل في مناطق التماس الأخرى التي تسعى تركيا للوصول إليها والتواجد فيها، وقد كشفت مجمل الحركة التركية، والرد المقابل في مستواه العسكري والاستراتيجي عن عدة أهداف.

الأول: العمل الاستباقي والمتلاحق وهو ما يؤكد على أن تركيا انتقلت من الأقوال عن الدور التركي في الإقليم والعلاقات التاريخية بين تركيا وليبيا حيث الامتدادات القبائلية والعشائرية، إلى الدخول في عمق العمل العسكري وترجمة ذلك لأفعال حقيقية وهو ما جرى واتضح في زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي آكار لليبيا والاتفاق مع حكومة السراج على تفعيل النمط العسكري وإعادة التمركز في قلب مناطق السيطرة التركية، وهو ما سيزيد في الفترة المقبلة خاصة إذا استمر الموقف في ليبيا على ما هو عليه، وتمسك الجانب التركي بالتصعيد وإعادة الهيمنة والانتشار الاستراتيجي في ظل بقاء الجيش الليبي في مواقعه برغم الانتصارات التي حققها ودفع تركيا للتصعيد، كما اتضح من المحادثات مع حكومة الوفاق الوطني لاستخدام قاعدتين في ليبيا، إحداهما الوطية، وهي أهم قاعدة جوية غرب ليبيا، والتي تم ضربها من الطيران المجهول بصورة احترافية استخباراتية.

الثاني: نقل رسالة إلى الأطراف المجاورة وعلى رأسها مصر بقدرتها على إعادة الانتشار وبما يخدمها في إطار السياسية وخططها الاستراتيجية، وبما يفعل من الحركة التركية الشاملة في الإقليم امتدادا من ليبيا إلى مناطق أخرى في المنطقة المغاربية، وبالتالي فإن المسألة لن تتعلق فقط بالتواجد في القاعدتين البحريتين كما هو مخطط تركيا، بل بالعكس التواجد في مناطق نوعية وفي العمق الليبي بهدف بناء وحدات انتشار وتمركز تخدم السياسة التركية وتحقق مصالحها الطويلة الأجل، وهو ما كشفت عنه زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، وتأكيده على أن تركيا لن تتراجع عن دعم حكومة الوفاق الليبية، مطالباً فرنسا بالاعتذار عن موقفها بشأن المناوشات بين السفن التركية والفرنسية في البحر المتوسط خلال مهمة لـ”الناتو” للتفتيش على الأسلحة، بموجب الحظر المفروض من الأمم المتحدة. وأنه لا تراجع عن هذا الموقف، إلا أن توجيه الضربة على الوطية سيدفع تركيا لإعادة ترتيب الحسابات السياسية والعسكرية خاصة إذا انفتح بنك الأهداف على مصراعيه.

الثالث : إن استمرار التصعيد التركي له مبرراته وأهدافه وفق رؤية أردوغان وقادة العدالة والتنمية، من أن هذا التدخل والتصعيد سينقل رسالة إلى دول شرق المتوسط حيث الصراع الأكبر والحقيقي، والذي تدخله تركيا انطلاقا من حسابات حقيقية ومباشرة، ولن تحيد عنه في أي مواجهة مقبلة بل بالعكس ستعمل على إعادة ترتيب أولوياتها في إشارة مهمة لملاحقة تسارع الأحداث في شرق المتوسط، ودخول الأطرف المعنية في اتفاقيات وترسيم للحدود، مثلما جرى مع الجانب المصري القبرصي/اليوناني الإيطالي مؤخرا وقرب توقيع اتفاق الحدود البحرية المصرية اليونانية، إضافة لوجود توافقات إسرائيلية يونانية قبرصية محددة سترسم مسارات التعاون في الإقليم وتشكل بنية منتدى غاز المتوسط، وهو ما تسعى تركيا للوصول إليه والانضمام لعضويته بصرف النظر عن خلافها الكبير مع مصر وهو ما عبر عنه الرئيس التركي وعدد من كبار مستشاريه عن مقاربة اقتصادية جديدة في الإقليم، خاصة وأنه وضعه في ليبيا – كما يتوهم – سيؤدي إلى واقع جديد يتجاوز المشهد الراهن بكل تفاصيله.

الرابع: إن المشهد المحتمل في ليبيا ينفتح على سيناريوهات جديدة، السيناريو الأول يتجاوز توجيه ضربات تكتيكية إلى ضربات استراتيجية ممتدة، وهو ما كشف عنه ضرب قاعدة الوطية، بهدف عدم إعطاء الجانب التركي فرصة للاستمرار في نهجه، وهو ما سيكون مستهدفا في الفترة المقبلة وسيؤدي إلى نتائج إيجابية ستعدم مسار الجيش الليبي، وليس للميلشيات التي تعمل على الجانب الآخر، خاصة وأن سرعة الحركة التركية تركز في إطار من التوازنات الحقيقية لقوى رئيسية في المواجهة وعلى رأسها مصر وفرنسا، وهو ما تتحسب له تركيا جيدا وتعمل على التعامل معه.

وهو سيناريو دفعُ الأطراف لتركيا لحافة الهاوية على اعتبار أن ما يجري من مواجهات أمنية واستخباراتية هدفه نقل رسائل إلى الجانب التركي أولا قبل أي اشتباك حقيقي، والسيناريو الثاني هو ما يدفع الأطراف المعنية للدخول في اشتباك مفتوح على كافة الجبهات إلى حين التوصل إلى مواجهة محسومة في حال الاستمرار في نهج متصاعد، وهو ما يقر باستراتيجية الذراع الطويلة الحقيقية التي تملكها مصر وفرنسا وقوات الجيش الليبي، وهي القوات المركزية التي ستدخل في إطار من الخيارات للتعامل مع القوات التركية حال الاقتراب من سرت وتجاوز خط التماس لتكون المواجهة واقعية وحقيقية ومباشرة خاصة وأن الأمور ستطال الناتو بدوله، وهو ما دفع أكار لانتقاد تصريحات سابقة للرئيس الفرنسي، وصف فيها الناتو بأنه في حالة “موت سريري”، كما تطرق إلى ما سماه “التصعيد العسكري الذي تمارسه اليونان في بحر إيجه، وعزمه على حماية حقوق ومصالح الشعب التركي في بحر إيجه والبحر المتوسط وقبرص، ورفض تركيا لأي حل يقوم على فرض الأمر الواقع. أي أن خيار المواجهة هو المرشح بقوة.

في كل الأحوال فإن تعرض قاعدة الوطية الجوية ومناطق التماس بمحيطها للضربات، ما هو إلا مقدمة حقيقية للسيناريو المقبل، والذي سيمتد إلى مناطق الجبل الغربي، وعلى طول مساحة مفتوحة على بعد 140 كيلومترا جنوب غرب طرابلس، والرسالة هي أن المواجهات ستتسع بقوة وتدخل إلى مساحات جديدة من الاشتباك الحقيقي، الذي يمكن أن يحسم وجود القوات التركية في ليبيا، ويوقف الخطوات التركية المتصاعدة في نقل المزيد من العناصر الإرهابية إلى الداخل الليبي في إطار المخطط التركي لتغيير المعادلة العسكرية الراهنة في مسرح العمليات.

 

 

الأوبزرفر العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى