انتخابات المغرب تسقط أساطير الإسلام السياسي

إدريس الكنبوري

لم يكن سقوط حزب العدالة والتنمية المغربي، الذي ظل يتحجج بمرجعيته الإسلامية، سقوطا لتنظيم سياسي ملأ الدنيا وشغل الناس لعشرية كاملة من التاريخ الحزبي الحديث في المغرب، بقدر ما كان انهيارا لنموذج بكامله، هو نموذج الإسلام السياسي.

والواقع أن عشر سنوات بعد مضي ما يسمى بالربيع العربي أظهرت أن هذا النموذج ليست لديه القابلية للحياة على المدى الطويل، كما كان الكثيرون يعتقدون. ومثله مثل النموذج الماركسي العربي الذي ساد ثم باد، أظهر فشل نموذج الإسلام السياسي أن النزعات الأيديولوجية آيلة إلى الزوال، وأن الحزب الأيديولوجي مهما تضخم فلمرض فيه لا لعافية لديه.

ويمكن القول بأن ما حصل لتيارات الإسلام السياسي في عدد من البلدان العربية بات مرشحا لكي يشجع على مناهج جديدة ومفاهيم تفسيرية مغايرة لتلك التي هيمنت على حقل دراسات الإسلام السياسي في العالم العربي منذ الستينات إلى ما قبل عشر سنوات، تلك المفاهيم التي كانت ترى أن في الإسلام عناصر الديمومة وأنه المنافس الرئيسي للأحزاب السياسية القائمة وقادر على خلق البديل وأن الشعوب العربية لديها الاستعداد لاحتضانه، لمجرد أنها شعوب مسلمة، وهي كلها مفاهيم وعناصر تفسيرية ساهمت مراكز البحوث الغربية بشكل كبير في ترويجها، وأعاد الباحث العربي طحنها.

لقد أظهرت التجربة مع الإسلام السياسي في المغرب أن الممارسة السياسية ميدانيا تنزع من الفاعل الإسلامي تلك العذرية والطهرانية اللتين تشكلان عصب قوته وهو خارج الحكم، وأن الديمقراطية كفيلة بتقزيم حجمه لأن الممارسة تضعه وجها لوجه مع مطالب الناس وطموحاتهم اليومية. وفي عصر يحفل بالتحديات على أكثر من صعيد، لا يبدو الإسلام السياسي في مستوى التجاوب مع حاجيات الجماهير التي تتزايد يوما بعد آخر ومع متطلبات التعايش العالمي، بعد أن صار تدبير السياسة المحلية متداخلا مع تدبير العلاقات الدولية وصارت سياسات الخارج تؤثر بشكل كبير في السياسات الداخلية للدول.

إحدى الأساطير الكبرى التي سقطت في هذه الانتخابات هي أن التيار الإسلامي يتمتع بقاعدة ناخبة ثابتة ومستقرة، وهي أسطورة انتشرت على نطاق واسع بين المحللين في الداخل والخارج منذ العام 2011. فقد كان يقال إن الحزب لديه رصيد انتخابي لا ينضب، وفي الوقت الذي كانت فيه شعبية الأحزاب التقليدية الكبرى في البلاد تتراجع، وهي ظاهرة ملحوظة حتى في الديمقراطيات الغربية العريقة، كان الإسلاميون يعتقدون بأن شعبيتهم لا يمكن أن تتأثر، لأن قاعدتهم الناخبة تثير الاطمئنان. بيد أن ما حصل عشية الثامن من سبتمبر الجاري شكل صدمة قوية لهم، حيث أبانت النتائج أنه لا وجود لتلك القاعدة، وأن الناخب كائن متطلب يدور مع مصالحه المعيشيّة طردا وعكسا، ولا يمكن خداعه فوق ولايتين.

وقد دلت القرائن، منذ انتخابات 2002 بالمغرب، على أن العزوف السياسي عن المشاركة في الاقتراع يصب في صالح الإسلاميين، وعلى أن المقاطعة تخدم التيار الإسلامي بينما ارتفاع حجم المشاركة يضعف رصيده الانتخابي. وبمقارنة نسبة المشاركة في انتخابات 2016، حيث فاز الإسلاميون بـ125 مقعدا في البرلمان، بنسبتها في الانتخابات الأخيرة التي فازوا فيها بثلاثة عشر مقعدا، يكون حجم المشاركة قد أثر بشكل قوي في النتائج المتحصل عليها. وإذا أردنا تحليل هذا المعطى علميا جاز لنا القول بأن ارتفاع منسوب الوعي السياسي هو العدو الأكبر للإسلام السياسي.

تشكل التجربة المغربية بحق نموذجا فريدا في التعاطي مع ظاهرة الإسلام السياسي، فقد اختار المغرب منذ النصف الأول من التسعينات، في الوقت الذي كانت فيه الجزائر القريبة تعيش حربا داخلية بين المتطرفين والنظام الحاكم، أن يدمج الفاعل الإسلامي في البنية السياسية، بدل أن يمنحه فرصة التضخم بوجوده على الهامش. فقد أدرك المغرب أن هناك طريقتين في الصدام مع التيار الإسلامي، إما الصدام مع الدولة أو الصدام مع الناخب، أي مع المنهجية الديمقراطية، وقد اختار المغرب الحل الثاني. ذلك أن الذين يوجدون خارج اللعبة السياسية دائما يتقنون فن الاحتجاج، متهمين الدولة بتهميشهم وعدم إتاحة الفرصة لهم في العمل السياسي، أما بعد أن يدخلوها ويصبحوا جزءا منها يصبحون أمام مهمة مختلفة، وهي الحجاج من أجل إقناع الناخب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى