رفض العسكريين والاستعانة بهم في السودان

محمد أبو الفضل

حضر سفير إحدى الدول الأجنبية في القاهرة ندوة بعد أشهر قليلة من وصول جماعة الإخوان، وأبدى استغرابه من مصريين مدنيين طالبوا بسقوط حكم العسكر خلال فترة إدارة المجلس العسكري للبلاد عقب رحيل نظام الرئيس الراحل حسني مبارك، ثم عادوا وهتفوا للاستعانة بالجيش عندما تأكدوا من فشل الإخوان في حكم مصر.

كان الرجل عاجزا عن فهم المنطق الذي أدى بشريحة كبيرة إلى تبني خطاب متناقض خلال وقت قصير، ما جعله يتشكك في طبيعة الدور السياسي للجيوش العربية. وما لم ينتبه له الكثيرون وقتها أن هناك جهات كانت لها مصالح في حالتي الرفض أو القبول، ودفعت نحو هذا أو ذاك وفقا لظروف كل مرحلة.

يقود الحديث المصري إلى ما يجري في السودان حاليا، حيث بات هناك انقسام حول الدور السياسي للجيش، فلا هو مرفوض تماما أو مقبول على طول الخط، فالقوى المدنية بعضها يرى ضرورة في وجوده داخل السلطة، وبعضها يطالب بخروجه منها نهائيا ويظل دوره محصورا في الأمور العسكرية خارج نطاق الحياة المدنية.

يأتي التناقض حيال الموقف من الجيوش العربية عادة خلال الفترات الانتقالية التي تبدو فيها الأوضاع الأمنية غير مستقرة، ورؤية القوى المدنية ضبابية، وتصبح الاستعانة بالمؤسسة العسكرية عملية محورية لضمان عدم الانفلات.

ما يجعل الجيش رقما مهمّا في مصر والسودان مثلا أنه لم يكن يوما بعيدا عن السياسة فيهما، فغالبية من حكموا البلدين لفترات طويلة ينحدرون منه، ويكاد يكون تاريخهما مرهونا بإرادة الكثير من الجنرالات.

أدت هذه المسألة إلى صعوبة في حالة الرفض مع امتلاك الجيش مفاتيح للحل والعقد في البلدين، وفي حالة القبول مع تصاعد أصوات المدنيين وحدوث تغير في مواقف قوى كبرى لم تعد ممتعضة علنا من سيطرة المؤسسة العسكرية وداعمة سرا لها.

بدلت التطورات في السودان الموقف، فالكثير من القوى المدنية المؤيدة للجيش لم تعد تمنحه شيكا على بياض، ورهنت تأييدها بالمرحلة الانتقالية وبعدها يجب أن يعود إلى ثكناته ويبتعد عن الانخراط في السياسة بصورة لا تمكنه من فرض سطوته أو يكون فيها المواطنون مضطرين إلى الاستعانة به.

كما أن اللعبة المزدوجة التي كانت تعتمد عليها بعض القوى الدولية في التعامل مع الجيش تساقطت جوانب عديدة فيها، ففكرة الدعم سرّا آخذة في التراجع أمام تصاعد المد المدني، وقد فهمت المؤسسة العسكرية في السودان هذا المعنى الذي حرّضها على الليونة والقبول بصفقة عودة رئيس الحكومة المعزول عبدالله حمدوك لموقعه.

لم يكن قبول حمدوك بالشراكة اعترافا بالدور السياسي للجيش بقدر ما هو اعتراف بأهمية الحفاظ على دوره الأمني في هذه المرحلة، لأن استمرار الخصام معه سوف يؤجج معركة سياسية سيكون السودان فيها الخاسر الأول، وقد يغيب عنه الأمل في إجراء انتخابات وتولي قوى مدنية ديمقراطية الحكم بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

يكشف رفض المؤسسة العسكرية والاستعانة بها، أو العكس، عن توازنات القوى، فإذا كان الجيش متغلغلا في المجتمع ماديا ومعنويا ويمتلك من الأدوات الاقتصادية ما يساعده على فرض إرادته يستطيع كسب المعركة، وإذا مالت الكفّة لصالح القوى المدنية تصبح قدرته على الهيمنة محدودة أو كبيرة متوقفة على مدى صمود الأخيرة في المواجهة.

تبدو هذه القاعدة في السودان متساوية تقريبا، ولكل جهة عناصر قوة عندما تزيد عند طرف تنقص لدى الآخر، ومنذ استقلال السودان كانت هذه المعادلة حاضرة، ويفسر نجاح الجنرالات في القبض على السلطة فترات طويلة أنهم تمكنوا من تفكيك مقومات القوة في صفوف المدنيين واستغلوا عناصر الضعف، ما يفسر لماذا كان يتغلب العسكريون على المدنيين دائما في السابق.

حاول قائد الجيش السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان السير على هذا المنهج، وكاد يكسب الجولة الحاسمة التي ظهرت تجلياتها مع قراراته في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي ضد الحكومة وقوى الحرية والتغيير، لكن وجد أن الإصرار على إجراءاته لن ينسجم مع قوى كبرى كان يعتقد أنها سوف تستسلم للأمر الواقع بسهولة.

تحوي الرسائل السلبية التي تلقاها البرهان أخرى إيجابية وصلت إلى حمدوك وجعلته يقبل بنصف انتصار ويعود إلى التعامل مع المؤسسة العسكرية التي كان ينتظر طعنتها من الظهر فجاءته في الوجه مباشرة، لأن المقدمات التي سبقتها أشارت إلى أن الطعنة قادمة لا محالة وعليه أن يمتصّها بكل ما أوتي من حكمة وحنكة.

يشير تقبل حمدوك للطعنة ثم محاولة علاج الجروح التي تركتها على وجهه إلى أنه لن يقبل بالرضوخ للجيش، فقط يحتاج بعض الوقت لترتيب أوراقه ليكسب الجولة الحاسمة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية والوصول إلى الانتخابات، وخلال هذه الفترة يلعب كي يتمكن من تسجيل نقاط لينزع الحجج التي استخدمها الجيش لضربه سياسيا.

تساعد هذه الطريقة على تحاشي الأخطاء التي وقعت فيها القوى المدنية وأسهمت في تفوق العسكريين وفرض إرادتهم، ويمكن أن تقلب الطاولة عليهم لأن امتصاص حمدوك للصدمة الأخيرة وتوابعها والعودة إلى رئاسة الحكومة يعني أنه يريد تحويل نصف الانتصار الذي تحقق إلى انتصار كامل لاحقا.

يريد أن يفضي تعاونه مع العسكريين هذه المرة إلى خروجهم من المشهد السياسي نهائيا، وهي عملية صعبة في السودان لن تكتمل معالمها ما لم تصطف القوى المدنية خلف حمدوك وتتخلى عن التشظي الذي أصابها خلال الفترة الماضية.

ربما تكون ممانعة البعض لاتفاقه السياسي مع البرهان لتقوية ظهره، لأنه يستطيع توظيف هذا الخلاف لرفض أي قيود أو إملاءات يحاول الجيش فرضها عليه، فتنوع القوى المدنية الرشيد سيكون مفيدا في المعركة الطويلة مع المؤسسة العسكرية.

وابتعاد قوى الحرية والتغيير عن الحكومة أو احتفاظها بمسافة بعيدا عنها سيفقد الجنرالات ذريعة تحكم هذا التحالف في القرار السياسي، ويقلل حدة استهدافه، ويكشف من الذي يهيمن ومن الذي يعمل على تحقيق أهدافه الخاصة قبل أهداف السودان.

يمرّ السودان بمرحلة مصيرية يمكن أن تضع حدا لإشكالية العلاقة بين المدنيين والعسكريين بكل ما تحمله من حساسية تاريخية، إما أن تستوعب الأولى الدرس وتعمل على توحيد رؤيتها وتمنع الاستمرار في تجريف التربة التي أدت إلى توغل الجيش في مفاصل الدولة، أو تقبل بسيطرته حقبة جديدة لا أحد يعلم نتائجها بعد أن كانت القوى المدنية قاب قوسين أو أدنى من طي صفحة الحكم العسكري في البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى