تاريخ العلاقة بين الاخوان المسلمون وأمريكا (١)





البدايات
بدأت علاقة الإخوان المسلمين بأمريكا في عام 1954، بعد المواجهة التى حدثت بين الجماعة ومجلس قيادة ثورة يوليو، والتي كانت بسبب رغبة الجماعة في السيطرة على القادة الجدد واختطاف الثورة لصالح الجماعة.
كانت الجماعة تعيش فى بداية الثورة حالة من الوفاق مع قادتها خصوصاً بعد استثناء الجماعة من قرار حل الأحزاب السياسية، والذي أسهم في تنامي شعور الجماعة بالقوة، وأدى بعد ذلك إلى الصدام.
الأسباب الحقيقية للصدام يرويها البكباشي جمال عبد الناصر في قرار حل الجماعة، الذي صدر في 14-1-1954، والذي يؤكد فيه أن نفرا من الصفوف الأولى في هيئة الإخوان أرادوا أن يُسَخروا هذه الهيئة لمنافع شخصية وأطماع ذاتية، مستغلين سلطان الدين على النفوس، وبراءة وحماسة الشبان المسلمين، ولم يكونوا في هذا مخلصين لوطن أو دين‏.‏
ولقد أثبت تسلسل الحوادث أن هذا النفر من الطامعين استغلوا هيئة الإخوان والنظم التي تقوم عليها هذه الهيئة؛ لإحداث انقلاب في نظام الحكم القائم تحت ستار الدين‏.‏
ويوضح جمال عبد الناصر في متن قرار الحل، التفصيلات التي أدت إلى وصول العلاقة بين الطرفين إلى طريق مسدود، والتي دفعت مجلس قيادة الثورة إلى اتخاذ مثل هذا القرار بالقول، ولقد سارت الحوادث بين الثورة وهيئة الإخوان قد جرت بالتسلسل الآتي‏:‏
1‏ ـ في صباح يوم الثورة استدعى الأستاذ حسن العشماوي لسان حال المرشد العام إلى مقر القيادة العامة بكوبري القبة، وأبلغه أن يطلب من المرشد العام إصدار بيان لتأييد الثورة، ولكن المرشد بقي في مصيفه بالإسكندرية لائذا بالصمت، فلم يحضر إلى القاهرة إلا بعد عزل الملك، ثم أصدر بيانا مقتضبا طلب بعده أن يقابل أحد رجال الثورة، فقابله البكباشي جمال عبد الناصر في منزل الأستاذ صالح أبو رقيق الموظف بالجامعة العربية، وقد بدأ المرشد حديثه مطالبا بتطبيق أحكام القرآن في الحال، فرد عليه البكباشي جمال عبد الناصر أن هذه الثورة قامت حربا على الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي والاستعمار البريطاني، وهي بذلك ليست إلا تطبيقا لتعاليم القرآن الكريم‏.‏
فانتقل المرشد بالحديث إلى تحديد الملكية، وقال إن رأيه أن يكون الحد الأقصى ‏500‏ فدان‏.‏
فرد عليه البكباشي جمال قائلا: إن الثورة رأت التحديد بمائتي فدان فقط، وهي مصممة على ذلك. فانتقل المرشد بالحديث قائلا إنه يرى أنه لكي تؤيد هيئة الإخوان الثورة أن يعرض عليه أي تصرف للثورة قبل إقراره، فرد عليه البكباشي جمال قائلا: إن هذه الثورة قامت بدون وصاية أحد عليها، وهي لن تقبل بحال أن توضع تحت وصاية أحد وإن كان هذا لا يمنع القائمين على الثورة من التشاور في السياسة العامة مع كل المخلصين من أهل الرأي، دون التقيد بهيئة من الهيئات، ولم يلق هذا الحديث قبولا من نفس المرشد‏.‏
‏2-‏ سارعت الثورة بعد نجاحها في إعادة الحق إلى نصابه، وكان من أول أعمالها أن أعادت التحقيق في مقتل الشهيد حسن البنا فقبضت على المتهمين في الوقت الذي كان المرشد لا يزال في مصيفه في الإسكندرية‏.‏
3-‏ طالبت الثورة الرئيس السابق علي ماهر بمجرد توليه الوزارة أن يصدر عفوا شاملا عن المعتقلين والمسجونين السياسيين، وفي مقدمتهم الإخوان، وقد نفذ هذا فعلا بمجرد تولي الرئيس نجيب رئاسة الوزارة‏.‏
4-‏ حينما تقرر إسناد الوزارة إلى الرئيس نجيب تقرر أن يشترك فيها الإخوان المسلمون بثلاثة أعضاء، على أن يكون أحدهم الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري‏.‏
وقد تم اتصال تليفوني بين اللواء عبد الحكيم عامر والمرشد ظهر يوم 7‏ سبتمبر سنة 1952‏، فوافق على هذا الرأي قائلا إنه سيبلغ القيادة بالاسمين الآخرين، ثم حضر الأستاذ حسن العشماوي إلى القيادة في كوبري القبة وأبلغ البكباشي جمال عبد الناصر أن المرشد يرشح للوزارة الأستاذ منير الدله الموظف في مجلس الدولة والأستاذ حسن العشماوي المحامي، وقد عرض هذا الترشيح على مجلس الثورة فلم يوافق عليه،‏ وطلب البكباشي جمال عبد الناصر من الأستاذ حسن العشماوي أن يبلغ ذلك إلى المرشد ليرشح غيرهما، وفي الوقت نفسه اتصل البكباشي جمال بالمرشد، فقال الأخير إنه سيجمع مكتب الإرشاد في الساعة السادسة، ويرد عليه بعد الاجتماع‏.‏
وقد أعاد البكباشي جمال الاتصال مرة أخرى بالمرشد، فرد عليه أن مكتب الإرشاد قرر عدم الاشتراك في الوزارة، فلما قال له‏:‏ لقد أخطرنا الشيخ الباقوري بموافقتك وطلبنا منه أن يتقابل مع الوزراء في الساعة السابعة لحلف اليمين أجابه بأنه يرشح بعض أصدقاء الإخوان للاشتراك في الوزارة ولا يوافق على ترشيح أحد من الإخوان‏.‏
وفي اليوم التالي صدر قرار من مكتب الارشاد بفصل الشيخ الباقوري من هيئة الاخوان فاستدعي البكباشي جمال عبدالناصر الاستاذ حسن العشماوي وعاتبه علي هذا التصرف الذي يظهر الاخوان بمظهر الممتنع عن تأييد وزارة الرئيس نجيب وهدد بنشر جميع التفاصيل التي لازمت تشكيل الوزارة فكان رد العشماوي أن هذا النشر يُحدث فرقة في صفوف الإخوان وليس لموقف المرشد العام ورجاه عدم النشر‏.‏
‏5‏- عندما طلب من الأحزاب أن تقدم إخطارات عن تكوينها- قدم الإخوان إخطارا باعتبارهم حزبا سياسيا وقد نصحت الثورة رجال الإخوان بألا يترددوا في الحزبية ويكفي أن يمارسوا دعوتهم الإسلامية بعيدا عن غبار المعارك السياسية والشهوات الحزبية، وقد ترددوا بادئ الأمر، ثم استجابوا قبل انتهاء موعد تقديم الإخطارات، وطلبوا اعتبارهم هيئة، وطلبوا من البكباشي جمال عبد الناصر أن يساعدهم على تصحيح الأخطاء، فذهب إلى وزارة الداخلية حيث تقابل مع المرشد في مكتب الأستاذ سليمان حافظ وزير الداخلية وقتئذ، وتم الاتفاق على أن تطلب وزارة الداخلية من الإخوان تفسيرا عما إذا كانت أهدافهم سيعمل على تحقيقها عن طريق أسباب الحكم كالانتخابات، وأن يكون رد الإخوان بالنفي حتى ينطبق عليهم القانون‏.
6-‏ وفي صبيحة يوم صدور قرار الأحزاب في يناير سنة ‏1953‏ حضر إلى مكتب البكباشي جمال عبد الناصر الصاغ صلاح شادي، والأستاذ منير الدله، وقالا له: الآن وبعد حل الأحزاب لم يبق من مؤيد للثورة إلا هيئة الإخوان؛ ولهذا فإنهم يجب أن يكونوا في وضع يمكنهم من أن يردوا على كل أسباب التساؤل.. فلما سألهما: ما هو هذا الوضع المطلوب؟ أجابا بأنهم يريدون الاشتراك في الوزارة. فقال لهما: إننا لسنا في محنة وإذا كنتم تعتقدون أن هذا الظرف هو ظرف المطالب وفرض الشروط فأنتم مخطئون. فقالا له: إذا لم توافق على هذا فإننا نطالب بتكوين لجنة من هيئة الإخوان تعرض عليها القوانين قبل صدورها للموافقة عليها، وهذا هو سبيلنا لتأييدكم إن أردتم التأييد. فقال لهما جمال: لقد قلت للمرشد سابقا إننا لن نقبل الوصاية.. وإنني أكررها اليوم مرة أخرى في عزم وإصرار‏.‏. وكانت هذه الحادثة هي نقطة التحول في موقف الإخوان من الثورة وحكومة الثورة‏، إذ دأب المرشد بعد هذا على إعطاء تصريحات صحفية مهاجما فيها الثورة وحكومتها في الصحافة الخارجية والداخلية، كما كانت تصدر الأوامر شفهيا إلى هيئات الإخوان بأن يظهروا دائما في المناسبات التي يعقدها رجال الثورة بمظهر الخصم المتحدي‏.‏
‏7‏- لما علم المرشد بتكوين هيئة التحرير تقابل مع البكباشي جمال في مبنى القيادة بكوبري القبة، وقال له إنه لا لزوم لإنشاء هيئة التحرير ما دام الإخوان قائمين. فرد عليه البكباشي جمال إن في البلاد من لا يرغب في الانضمام للإخوان، وإن مجال الإصلاح متسع أمام الهيئتين. فقال المرشد: إنني لن أؤيد هذه الهيئة. وبدأ منذ ذلك اليوم في محاربة هيئة التحرير وإصدار أوامره بإثارة الشغب واختلاق المناسبات؛ لإيجاد جو من الخصومة بين أبناء الوطن الواحد‏.‏
‏8-‏ وفي شهر مايو سنة ‏1953‏ ثبت لرجال الثورة أن هناك اتصالا بين بعض الاخوان المحيطين بالمرشد وبين الإنجليز، عن طريق الدكتور محمد سالم الموظف في شركة النقل والهندسة، وقد عرف البكباشي جمال من حديثه مع الأستاذ حسن العشماوي في هذا الخصوص أنه حدث اتصال فعلا بين الأستاذ منير الدله والأستاذ صالح أبو رقيق ممثلين عن الإخوان وبين مستر‏ “إيفانز” المستشار الشرقي للسفارة البريطانية، وأن هذا الحديث سيعرض حينما يتقابل البكباشي جمال والمرشد، وعندما التقى البكباشي جمال المرشدَ أظهر له استياءه من اتصال الإخوان مع الإنجليز والتحدث معهم في القضية الوطنية، الأمر الذي يدعو إلى التضارب في القول وإظهار البلاد بمظهر الانقسام‏.
هذا وبعد حل الجماعة تحرك نظامها الخاص لاغتيال ناصر في حادثة المنشية الشهيرة، والتي انتهت بالفشل وتصاعد المواجهة بين الثورة والجماعة، وقد اعتُقل الآلاف من كوادر الجماعة وتم فصل البعض من أشغالهم، وهرب الكثيرون واختفوا، وكان الخيار الأفضل للكثير من أعضاء الجماعة هو السفر لأي دولة خارج مصر، خصوصاً الدول النفطية مثل السعودية، والتي كانت على خلاف في هذا الوقت مع نظام عبد الناصر، ومنهم من اختار السفر للغرب وخصوصا أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وهناك كونوا روابط إخوانية، وحاولوا البقاء متماسكين حتى تتضح الصورة في مصر وتظهر الجماعة من جديد، وسنحاول في هذه الحلقات عرض مراحل تطور الجماعة في الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً، حتى وقتنا هذا.
ولكن لماذا الولايات المتحدة الأمريكية؟!
كانت الولايات المتحدة في فترة الخمسينات تمثل حلماً وبريقا لبعض القوى، خاصة الإسلامية منها، وكانت تعد نفسها لوراثة الاستعمار القديم المتمثل في إنجلترا وفرنسا، وتعاني منافسة حادة من الاتحاد السوفيتي الذي أخذ يسيطر وينشر أفكاره في منطقة الشرق الأوسط، ووسط حركات التحرر الوطني بشكل عام، الأمر الذي استنفر الأمريكان، وأخذوا في البحث عن قوى يمكن الاعتماد عليها في كسر شوكة قوى التحرر، من ناحية، والوقوف ضد تمدد نفوذ موسكو من ناحية أخرى، وسرعان ما وجدوا ضالتهم في حركة الإخوان المسلمين.
كانت الجماعة ومعها عدد من المفكرين الإسلاميين يعتبرون الاشتراكية كفرا بواحا، ومن ينادي بها كفار يستحل دمهم؛ الأمر الذي أدى إلى مواجهات متعددة بين أنظمة وقوى التحرر الوطني الناشئة، سواء تلك الحاكمة كثوار يوليو، أو تلك التي تسعى إلى تحرير بلادها من ربقة المستعمر.
وكل هذه العوامل أدت إلى ازدياد موجات هجرة الإسلاميين إلى الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص؛ هربا من تلك المواجهة، بمعنى أن هناك جهات عديدة تابعة لتلك الحركات، وفي القلب منها حركة الإخوان المسلمين، التي كانت تشرف على هجرة هؤلاء الشباب، ثم تقوم بإعادة تجميعهم؛ لتصفهم في صفوف منظمة، تصب في بوتقة واحدة.




Related Articles

Back to top button