النظام التركي في حسابات السياسية والاقتصاد

انتكاسة اقتصادية تعكس أزمة أردوغان المتراكمة منذ سنوات

اعتباراً من العام 2015، بدأ الاقتصاد التركي يدخل مرحلة انكماش شديدة، وهو نفس العام الذي غيّر فيه رئيس النظام التركي، رجب طيب أردوغان طبيعة النظام السياسي في بلاده، من برلماني لرئاسي، ليتفرد بحكم البلاد، ويحول بلاده إلى دولة ساعية للهيمنة بالقوة على محيطها السياسي والجغرافي.

يأتي ذلك متزامناً مع حالات التخبط، والهزات التي أصابت السياسة الخارجية التركية في أكثر من ملف طوال الأشهر الماضية، حيث خسرت العملة التركية مزيداً من قيمتها.

أصبحت حالة التخبط والنكسات في سياسة النظام التركي أكثر وضوحاً بعد خروج حليف أنقرة في ليبيا ، فايز السراج، عن الاستراتيجية التركية، وموافقته على وقف شامل لإطلاق النار في البلاد، ثم إعلان نيته التنحي المشروط.

ويضاف إلى ذلك، رضوخ أنقرة للضغوط الأوروبية وسحبها سفن التنقيب الخاصة بها من المياه الإقليمية اليونانية، وانتهاء بعمليات القصف الروسية لمناطق حلفاء تركيا في محافظة إدلب شمال غربي سوريا.

وفي موازاة هذه التطورات، وصل سعر الليرة التركية إلى 7.5 ليرات مقابل الدولار، وهو أسوأ رقم لها على الإطلاق.

لقد كانت الحياة الاقتصادية التركية مرتبطة على الدوام بسياسيات الحكومات التركية، منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة وحتى الآن، فبطبيعته يعتمد الاقتصاد التركي على ثلاثية السياحة والخدمات والصناعات المتوسطة.

وفرض هذا النمط الاقتصادي اعتماداً تركياً على محيطه الجيوسياسي، فتركيا ليست بلداً نفطياً أو صناعياً، يستطيع اقتصاده الداخلي أن يكون قوياً أو مستقلاً نسبياً عن السياسات الخارجية لحكوماته ومغامراتها.

في وقت سابق اعتقلت تركيا راهباً أميركياً مؤيداً للأكراد، وتلا ذلك انكشاف فضيحة علاقة “بنك خلق” الحكومي التركي في مساعدة إيران على التهرب من العقوبات الدولية، في مؤشرين على خروج أنقرة على السياسة الأميركية في المنطقة.

وبعدما خرجت أنقرة بشكل واضح عن التفاهمات الإقليمية والدولية، بالذات مع الولايات المتحدة، تراجعت العملة التركية وخسرت قرابة 40 بالمئة من قيمتها خلال عام 2018.

حالات التمرد التركية على حلفائها التقليديين، تبعتها سلسلة من عمليات الانخراط لأنقرة في القضايا الإقليمية والدولية، من سوريا مرورا بليبيا والعراق  وأرمينيا وصولا إلى البلقان، عبر استخدام القوة العسكرية والهيمنة السياسية ونشر الميليشيات المتطرفة والمرتزقة، مما راكم من أتعاب الاقتصاد التركي الهش أساساً.

وأظهرت البينات الرسمية التركية بأن انهيار العملة المحلية دفع 2.58 مليون مواطن تركي للخروج من سوق العمل، ليصل مجموع العاطلين عن العمل إلى 7.5 ملايين عاطل.

وانخفضت مساهمة القوى العاملة في الاقتصاد الوطني من 52 بالمئة إلى 47 بالمئة خلال الربع الأول من العام الحالي، الأمر الذي أدى إلى أن يكون إجمالي الدين العام الخارجي 57 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتصبح البطالة منتشرة بين 14 بالمئة من طالبي العمل، و27 بالمئة في أوساط الفئة العمري الشبابية.

ولأن الطلب على البضائع التركية تراجع بنسبة 16 بالمئة خلال العامين الماضيين، وجميع الأسواق التي تراجع فيها الطلب كانت من الدول التي دخلت تركيا معها في صراعات سياسية، وهي أمور دفعت مع غيرها الاقتصاد التركي نحو أسوأ أداء له منذ العام 1998.

الباحثان أيكا علمدار أوغلو وسلطان تيبي، كتبا تقريرا مفصلا عن هذا الترابط بين الاقتصاد ونمط السياسيات الخارجية لأردوغان في مجلة “فورون بوليسي” الأميركية.

وأشار الباحثان إلى أن هذا المسار أدى بتركيا إلى أن تتحول إلى حليف اقتصادي/سياسي للصين لا غيرها، بعدما كان الاقتصاد التركي أوربياً/أميركياً بنسبته العُظمى.

وأشار التقرير إلى تلاقي مصالح الطرفين من خلال “توفر شهية لدى الصين للتوسع في غرب آسيا وأوروبا/ مما شكل لأردوغان شريان حياة، لذا توسع التعاون بشكل كبير منذ عام 2016، حيث وقع البلدان عشرة اتفاقيات ثنائية تشمل الصحة والطاقة النووية”.

وتعد الصين الآن ثاني أكبر شريك استيراد لتركيا بعد روسيا، واستثمرت الصين 3 مليارات دولار في تركيا بين عامي 2016 – 2019، وتعتزم مضاعفة ذلك بنهاية العام المقبل.

وأصبح التدفق النقدي من الصين أمرا بالغ الأهمية لنظام أردوغان، خصوصا بعد سماح الصين للشركات التركية باستخدام اليوان الصيني لتسديد المدفوعات التجارية، مما يتيح الفرصة بالوصول إلى السيولة والسوق الصينية.

الدخول التركي في هذا النوع من الشراكة الاقتصادية مع الصين سيأتي بآثار مستقبلية كارثية على الاقتصاد التركي، وفق الباحثين، فهذه العلاقة هي لصالح الصين تماماً، التي لن تستورد شيئاً من السوق التركية، وسوف تمتص كل العملات الصعبة من هذا السوق.

وستدخل في شراكات مستقبلية لشراء الكثير من مواقع ومؤسسات البنية التحتية في تركيا، مما سيدفع تركيا إلى أن تكون دولة تابعة للصين، اقتصادياً وسياسياً.

مجلة “آسيا تايمز” ركزت في تقرير موسع على ما أوردته الكاتبة التركية أوزليم البيرق الأسبوع الماضي، حول الخيارات المغلقة التي يواجها الاقتصاد التركي في ظلال الاستمرار في هكذا توجهات من السياسة الخارجية، مذكرة بالسنوات الخمسة الأولى من حُكم حزب العدالة والتنمية وأردوغان، حيث كان النمو الاقتصادي الاستثنائي وقتها رديفا لتوجهات الانفتاح السياسي التي اُنتهجت حينها، داخليا ومع المحيط الإقليمي، عبر منطق “الصفر مشاكل”.

التقرير أوضح بأن هذا العجز الاقتصادي يدخل مراحل أكثر حرجاً، فإذا كانت العملة قد خسرت 87 بالمئة من قيمتها منذ العام 2015، فإنها فقط خلال الشهور الثمانية الأخيرة خسرت 24 بالمئة من تلك القيمة.

دورية “Ekathimerini” اليونانية نشرت تحليلاً مطولاً كتبه ديمتري كريديس حول الاستراتيجية الأردوغانية في الموائمة بين الاقتصاد والهيمنة العسكرية على المحيط الإقليمي.

تركيا، بحسب الكاتب، كانت تتوخى عبر ما سماها بـ”العقيدة الزرقاء” الهيمنة على معظم طرق التجارة العالمية، بالذات التجارة المتأتية من بلدان جنوب المحيط الهندي إلى روسيا ودول شرق أوربا، ورفعها لمستوى الهيمنة على كامل جنوب أوروبا، عبر مثلث تركيا اليونان ليبيا، وذلك عن طريق التحكم بملفات التجارة والمهاجرين والطاقة، التي تمس الأمن القومي الأوروبي وعلاقته مع العالم الخارجي.

لكن الآية انعكست، فالضغوط الأوربية والأميركية، ونوعية مناسبة من التعاون المثمر بين الدول الإقليمية، أدى إلى أن تبقى تركيا وحيدة خارج ذلك، وأن ينعكس ذلك على اقتصادها، الذي يعتمد أساساً على تعاون وثقة المستثمرين الأجانب، الذين فقدوا تلك الثقة من جراء السياسيات الخارجية الهوجاء لأردوغان، بالذات خلال السنوات الأخيرة.

 

 

 

الأوبزرفر العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى