كونفدرالية الإرهاب التي يتزعمها أردوغان

يكفي استعادة تاريخ أردوغان في علاقاته مع تنظيم القاعدة وزعيمه السابق أسامة بن لادن ثم جبهة النصرة، وأبوبكر البغدادي، زعيم “داعش”، لفضح شهية رئيس النظام التركي في مص دماء دول الجوار وما بعدها.

بالعودة إلى الوراء قليلا، وتحديداً في أغسطس/آب 2018، يتضح السيناريو الكامل لمخطط النظام التركي في إقامة جسور تواصل مع أسامة بن لادن، حين بدأ رحلته منذ أكثر من 40 عاماً ولقائه بعدد من قيادات حزب أربكان، الذي نشأ فيه أردوغان.

في عام 1976، عبر بن لادن الأراضي السورية إلى تركيا؛ حيث بدأ علاقة مبكرة مع التيارات السياسية في أنقرة، حين التقى قيادات حزب أربكان، والذي يعد أردوغان أحد أضلاع الجيل الثاني من مريديه.

وهذه المعلومات كشفتها وثائق “أبوت آباد” الأمريكية التي تضمنت 470 ألف ملف تشمل مستندات ومقاطع فيديو تم تخزينها في أكثر من 5 أجهزة كمبيوتر، وعشرات الأقراص الصلبة التي تم العثور عليها في مخبأ بن لادن بعد مقتله.

حين بدأ بن لادن زيارته إلى تركيا كان أردوغان يتولى رئاسة اللجان الشبابية لحزب السلامة الوطنية في منطقة بيي أوغلو، وتولى في العام نفسه رئاسة اللجان الشبابية للحزب لمدينة إسطنبول كاملة.

ويتحدث بن لادن عن أنه خلال تلك الزيارة كان عمره 19 عاماً، والتقى بعدد من مسؤولي حزب السلامة الوطنية الذي وصفه بحزب أربكان في مدينة لم يذكر اسمها.

صحيح أن زعيم تنظيم القاعدة لم يقدم تفاصيل حول هوية الأشخاص الذين التقاهم والهدف من الزيارة ونتائجها، وما إن كان أردوغان قد التقى به في تلك الفترة أم لا، إلا أن صحيفة “الزمان” التركية تحدثت عن أن أردوغان أطلق اسم “أسامة” على نجل شقيقه “مصطفى” الذي ولد في 5 سبتمبر/أيلول عام 1995 بمنطقة أسكودار بإسطنبول.

أردوغان
أردوغان وهو يجلس على ركبتيه بجوار مساعد بن لادن (قلب الدين حكمتيار)

ويعود تسمية الوثائق الأمريكية بـ”أبوت آباد” نسبة إلى الموقع الذي قُتل فيه بن لادن، حيث نفذ الجيش الأمريكي بإشراف من وكالة الاستخبارات الأمريكية عملية فجر الإثنين 2 مايو/أيار 2011، في منطقة تقع على بعد 120 كليومتراً عن إسلام أباد العاصمة الباكستانية.

على امتداد الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، استغل أردوغان الوضع الهش في الجوار الجنوبي لبلاده، ليبدأ في ضخ مسلحي “جبهة النصرة” التابعة لتنظيم القاعدة إلى إدلب وغيرها من المواقع السورية.

ومنذ اندلاع شرارة الأوضاع في سوريا، عام 2011، سارعت تركيا إلى دعم تحالف جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة) وأحرار الشام، فيما اعترف مسؤولون أتراك بتقديم الدعم اللوجيستي والاستخباراتي لمركز قيادة هذا التحالف، وهو ما نشرته صحيفة “الإندبندنت” البريطانية في 2014.

وحاولت “النصرة” تغيير جلدها، بعد تصنيفها إرهابية على المستوى العالمي، فأطلقت على نفسها “جبهة فتح الشام”، لتبدأ مرحلة جديدة من جسور التواصل بينها وبين نظام أردوغان.

ولعل أبرز إنجاز حققته “فتح الشام” لأردوغان كان تسليم تركيا نقاطا رئيسية تحت سيطرة الأولى في ريف حلب، إضافة إلى مرور عشرات العربات التابعة للجيش التركي والانتشار في إدلب.

وفي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2015، اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنقرة مباشرة بمساعدة تنظيمي داعش الإرهابي والقاعدة، عبر استخدام الأراضي التركية لتهريب ونقل الأسلحة لهذه الجماعات المتطرفة.

وتوجت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، الاتهامات متعددة الأطراف لنظام أردوغان بإيوائه المتطرفين، بتقرير لها في أبريل/نيسان 2018، أكدت فيه أنه في العام 2013 اجتاز 30 ألف مسلح الأراضي التركية إلى سوريا فيما يُعرف بـ”الطريق الجهادي السريع”.

ولم تكتف المجلة الأمريكية بهذا؛ بل أشارت إلى أنه تم علاج جرحى من عناصر تنظيم داعش الإرهابي بالمجان في مستشفيات جنوب شرق تركيا.

وفيما يخص الملف الليبي فلا يخفى على المتابعين له كيف تحولت المدن التركية إلى مقر آمن لقيادات الإرهاب في العالم خاصة ليبيا، لتحرض عبر منابرها الإعلامية وقنواتها الفضائية ضد الجيش الوطني الليبي.

ويأتي على رأس هذا الدعم، التأييد التركي الكامل لعبدالحكيم بلحاج، زعيم الجماعة الليبية، وعلي الصلابي مندوب اتحاد علماء القرضاوي الإرهابي في ليبيا و”مفتي الإرهاب” الصادق الغرياني.

أردوغان مع عدد من رموز الارهاب

وتبث من تركيا عدة قنوات داعية للإرهاب خاصة قناة “التناصح”، و”ليبيا الأحرار”، و”النبأ” وقنوات دعم الإرهاب التابعة للإخوان في العالم مثل “الشرق” و”مكملين” وغيرها.

واعترفت لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة في تقرير بتاريخ 23 فبراير/شباط 2015، بدعم تركيا للإرهاب في ليبيا، خاصة مليشيات انقلاب “فجر ليبيا”، مشيرة إلى إمداد تركيا للإرهابيين بالسلاح عبر الموانئ الجوية والبحرية.

وحاولت تركيا نقل أسلحة للإرهابيين بليبيا، في 17 ديسمبر/كانون الأول 2018، إلا أن أجهزة الأمن بميناء الخمس تمكنت من ضبط صفقة الأسلحة قبل تهريبها إلى المليشيات، فيما عُرف بـ”سفينة الموت”.

حينها، تضمنت صفقة أسلحة أنقرة 3 آلاف مسدس من عيار 9 ملم، و120 مسدسا نوع (بريتا)، و400 بندقية، و4.3 مليون رصاصة، وجميعها تركية الصنع.

وقبل هذه الصفقة بشهرين، وتحديداً في فبراير/شباط 2019، نجح الجيش الليبي في ضبط شحنة أسلحة مشابهة بنفس الميناء لتهريب مدرعات قتالية وسيارات رباعية الدفع.

وبحسب تقرير نشره موقع “مونيتور” الأمريكي، في مايو/أيار الماضي، فإن تركيا غارقة حتى أذنيها في دعم الإرهاب في ليبيا.

والمتتبع للخط الجغرافي لهجمات “القاعدة في المغرب الإسلامي” وفرعه “أنصار الشريعة” في ليبيا، منذ 2011، سيتوصل بلا عناء إلى أن التنظيم الإرهابي يحرص على عدم استهداف المنطقة الغربية، وتحديدا طرابلس ومحيطها، مقر حكومة الوفاق الإخوانية المدعومة تركياً.

وفي يوليو/تموز الماضي، كشف تقرير نشره موقع “نورديك مونيتور” السويدي الأوروبي أن حكومة رجب طيب أردوغان توفر الحماية للشركات المحلية المتورطة في تهريب الأسلحة إلى ليبيا.

خارطة جغرافية محدودة يتحرك فيها التنظيم تكشف عن خيوط اللعبة في بلد بات حلبة صراع، وكعكة ترنو مليشيات الإخوان تقاسمها مع تركيا وقطر، خصوصا أن التنظيم يتعاون مع “سرايا الدفاع عن بنغازي” التي يتزعمها عبدالرحمن الغرياني، والأخير إرهابي خطير مدعوم من قطر.

ولم يكتفِ التقرير الذي تناولته أيضا صحف ليبية بذلك، بل أشار إلى أن فريق خبراء مجلس الأمن أكد إرسال تركيا شحنة أسلحة إلى جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة في بنغازي عام 2017، ما يفسّر التوازنات على الأرض.

في تقارير مختلفة، كشفت صحف أوروبية عن قلق 11 دولة في القارة العجوز من تزايد انتشار منظمة ميللي جوروش (الرؤية الوطنية) التركية المتطرفة، بعد أن أصبحت التنظيمات التابعة لنظام رجب طيب أردوغان أكثر نفوذا وأداة للتطرف والتجسس في أوروبا.

وفي دراسة سابقة، نشرها معهد هودسون الأمريكي للدراسات (غير حكومي)، أكد الباحث فيلهابر أن المنظمة هي أكثر التنظيمات المتطرفة تأثيرا في ألمانيا، وواحدة من أهم التنظيمات التي تنشط في الشتات التركي بأوروبا.

وبصفة عامة، تملك المنظمة 87 ألف عضو في أوروبا، بينهم 30 ألفاً بألمانيا وحدها، فيما يحضر الدروس في المساجد والمؤسسات التابعة لها 300 ألف شخص أسبوعياً.

وتوسعت “ميللي جوروش” بشكل كبير ومقلق في أوروبا، خلال السنوات الأربع الماضية؛ حيث ارتفع عدد المساجد المنضوية تحت مظلتها في أوروبا من 510 إلى 650، بالإضافة إلى ألفي مركز ثقافي وشبابي ونسائي، وفق تقرير لصحيفة “دي برسه” النمساوية الخاصة.

وفي ألمانيا، تعمل المنظمة باسمها الأصلي، “ميللي جوروش”، وتملك 323 مسجداً على الأقل في عموم البلاد، بالإضافة لمئات المراكز الثقافية والشبابية.

أما في النمسا، فتنشط الحركة تحت اسم “الاتحاد الإسلامي”، وتملك 22 مسجدا في البلاد، و40 مؤسسة تعليمية وثقافية، و12 ألف عضو، فيما يحضر دروس الاتحاد أيام الجمع نحو 20 ألف شخص، بحسب وكالة الأنباء النمساوية الرسمية.

وتركز المنظمة التركية على الاندماج بشكل واضح في المجتمعات الأوروبية، كغطاء لتحركاتها وأهدافها الحقيقية.

ولمواجهة خطر “ميللي جوروش”، أصدر البرلمان النمساوي توصية للحكومة بحظرها في النمسا أواخر سبتمبر/أيلول الماضي.

وقالت صحيفة “أوسترايش” النمساوية: إن “قائمة الآن”، وكتلتي حزبي الشعب (صاحب الأكثرية) والحرية، نجحوا خلال جلسة البرلمان في 26 سبتمبر/أيلول الماضي، في تمرير توصية للحكومة بحظر “مللي جوروش” المرتبطة بالإخوان.

ووفق التقرير، فإن التوصية تطالب الحكومة بفحص ومراقبة كل المنظمات التابعة لـ”مللي جوروش” في النمسا.

وتخضع هيئة حماية الدستور الألمانية في ولايات عدة أبرزها بافاريا (جنوب)، “ميللي جوروش” لرقابتها.

وعادة ما تخضع هيئة حماية الدستور، التنظيمات والأفراد الذين يمثلون خطرا كبيرا على الديمقراطية ويهدفون إلى تقويض النظام السياسي لرقابتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى