عملية جراحية تعيد المكانة الإقليمية إلى مصر

محمد أبو الفضل

تحرص مصر على ضبط النفس إلى أقصى درجة في تعاملها مع التحديات الإقليمية، وترسل إشارات متفاوتة بأنها دولة سلام وليست دولة حرب ولن تعتدي على أحد ما لم يكن أمنها القومي مهدّدا بالفعل. وهو حديث لم يتورع النظام المصري عن تعميمه في الآونة الأخيرة. وفي كل مرة ظهرت فيها تلميحات بعمل عسكري في ليبيا أو مع إثيوبيا تكون مرهونة بمحددات تنزع عنه الفعل كأنها تستخدمه للردع والترهيب فقط.

يضغط المصريون اليوم على قيادتهم لاستخدام القوة مع إثيوبيا لحل أزمة سد النهضة المستعصية، الأمر الذي وضعها في موقف حرج، فلا هي تستطيع تلبية ذلك ولا الإعلان عن قدرتها على ضمان الحل السياسي وتحقيق نصر بلا حرب، وهو ما جعل أديس أبابا تصرّ على غطرستها، وبدت شبه متيقنة من أن القاهرة لن تقدم على عمل عسكري، ليس لأنها لا تستطيع، بل لأن قوى كبرى عديدة تعارض هذا الاتجاه.

وصلت الرسالة نفسها إلى تركيا بما جعلها تصر على استمرار قواتها العسكرية في ليبيا، وعلى استعداد لضرب عرض الحائط بالخط الأحمر (سرت- الجفرة) إذا وجدت أن ذلك سيحقق أهدافها كاملة، أو أن طريق التقارب مع مصر بات مسدودا.

وصدمت معاني القوة دول الخليج منذ سنوات عندما أكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أنه على استعداد للدفاع عن أمنها في إطار تحالف مع دولها الرئيسية، واستخدم عبارة “مسافة السكة” كدلالة على الجاهزية والاستعداد الفوري للقتال.

قد تكون إشارات الحرب التي ترسلها مصر لبعض الحلفاء غرضها الطمأنة والاقتراب السياسي وليس العسكري. وقد تكون إشارات السلام التي تبعث بها للمجتمع الدولي ترمي إلى تخفيف حدة المخاوف من توظيف القوة العسكرية المتضخمة، والتأكيد على أن مصر دولة رشيدة وغير باطشة ولا تبادر بالاعتداء على أحد.

المصريون يضغطون اليوم على قيادتهم لاستخدام القوة مع إثيوبيا لحل أزمة سد النهضة المستعصية، الأمر الذي وضعها في موقف حرج، فلا هي تستطيع تلبية ذلك ولا الإعلان عن قدرتها على ضمان الحل السياسي وتحقيق نصر بلا حرب

تركت هذه المنظومة النبيلة انطباعات سلبية بأن هذه القوة غير قابلة للاستخدام عمليا، لا في المحيط الإقليمي القريب أو البعيد، وأن ثمة هواجس ضخمة تمنع القيادة المصرية من اللجوء إليها وحسابات بعيدة تدّخرها.

يرمي تراكم القدرات العسكرية بمختلف أشكالها إلى الحماية بشكل رئيسي من التهديدات الخارجية، والحفاظ على المصالح الاقتصادية، وهما مهمتان مركزيتان في استراتيجية الدولة المصرية حاليا، غير أن هذا التوجه لا يخلق دورا إقليميا مؤثرا لدولة تريد أن تحتل مكانتها في المنطقة، وتقود الأمة العربية.

إذا استمر هذا الاتجاه فلن يتعدى الدور المصري زاوية الوساطة المحدودة في بعض الأزمات الإقليمية، فما قامت به القاهرة في حرب قطاع غزة الأخيرة لم يتم البناء عليه حتى الآن بصورة جيدة، ولا تزال نتائجه محدودة، وشبح الحرب على القطاع لم يتلاش، وكل ما تقوم به مصر هو محاولة فرملة إسرائيل وكبح جماح حركة حماس.

لم يتم استخدام عناصر القوة المصرية بشكل جيّد في الكثير من الأزمات التي مرت بها البلاد، ويظل القلق من الانزلاق في فخ إقليمي يسيطر على الكثير من التصورات والتصرفات، ما يحد من توسيع نطاق الدور الذي يتناسب مع الإمكانيات والرغبات والطموحات وتحقيق الأهداف.

لا أحد بالطبع يطالب بقيام مصر بشن عدوان على دولة ما أو انتهاك سيادتها، لكن القوى المؤثرة من الضروري أن تعلن عن نفسها عبر عمليات جراحية نوعية، في عالم لم يعد يقدّر كثيرا القوة الرشيدة، ويخشى تماما من القوة الباطشة.

يبدو الخوف من التعرض لعقوبات دولية أو الدخول في صدام مع قوى كبرى مهيمنا بصورة مبالغ فيها على العقل المصري، مع أن تركيا وإيران وإسرائيل وكل القوى الإقليمية في مناطق مختلفة تصنع صورتها من خلال الأعمال العسكرية، والذي يمنحها كاريزما وتحافظ على مصالحها الحيوية، ولا أحد يقترب منها جديا من القوى الكبرى، وربما يحدث العكس، حيث تتولد الخشية من الصدام معها.

جرّبت مصر الصدام الحتمي في سنوات 1956 و1973 و2013، وفي كل مرة كانت الحسابات متباينة والتداعيات مختلفة، لكن الأمن المصري والعربي والمصالح المرتبطة بهما والثقل الإقليمي من العوامل الرئيسية هي التي حكمت القرارات في هذه الأحداث المصيرية.

وفي جميعها كانت هناك تقديرات مرتفعة للتكاليف والمخاطر والتداعيات، ومع ذلك لم تكن الزعامات الوطنية التي خاضت هذه المواجهات بصرامة وحسم تهتم سوى بمصالح مصر وخلق دور يتناسب مع طموحاتها وأهدافها.

تشير الكثير من توازنات القوى الراهنة إلى أن مصر لديها من الإمكانيات ما يفوق مرات ما ملكته في المحطات الثلاث السابقة، وحتى فكرة القطبية التي كانت سائدة خلال حربي 1956 و1973 تراجعت كثيرا عام 2013 الذي لعب فيه الرئيس عبدالفتاح السيسي، وقت أن كان وزيرا للدفاع، دورا مؤثرا في مواجهة قوى كبرى وقفت بجوار جماعة الإخوان، ونجح الرجل في العبور بالسفينة بأقل خسائر ممكنة.

جرى ضبط المعادلة الجديدة على بوصلة تكوين قوة عسكرية كبيرة، ما يعني أن هناك استعدادا مبكرا لمواجهة التحديات بخشونة، وخطورة هذه المسألة أن الاكتفاء بفكرة الردع لن يكون كافيا لمنعه في كل وقت، فقد تتعرض الدولة لاستنزاف تدريجي ينزع عنها أي مبررات بشأن تهيئة الفرصة لتستخدم قوتها مباشرة.

النظام المصري يحتاج للقيام بعمل عسكري لزيادة الالتفاف حوله داخليا واستعراض عضلاته في أي من الاتجاهات الإقليمية، ودحض ما ترسّب في حسابات جهات كثيرة من أن القوة المصرية للردع

ظهرت معالم هذه القضية في حالتي ليبيا وإثيوبيا، ففي الأولى تسللت تركيا عسكريا وسياسيا واقتصاديا وخلقت لنفسها مكانة كبيرة دون أن تتجاوز الخط الأحمر أو تضطر إلى الصدام مع مصر لتجبرها على استخدام قوتها العسكرية، لأنها فهمت الرسالة على وجه يعني أنها يمكن أن تتحرك في ما دون سرت – الجفرة.

لم تمنع الاستجابة إلى هذا الخط من وجود تهديدات للأمن القومي، فتمركز تركيا بالطريقة التي تريدها في غرب ليبيا يحمل العديد من المخاطر لاحقا، وهو ما انتبهت إليه القاهرة مؤخرا وفرض عليها أن تنفتح على طرابلس والغرب عموما بعد أن نجحت أنقرة في تشكيل طبقة نافذة مؤيدة لها ولمصالحها.

ثمة صورة قريبة من ذلك مع إثيوبيا، حيث استدرجت مصر لمفاوضات عقيمة لمدة عشر سنوات وعلى استعداد لمضاعفتها طالما أنها تيقنت من عدم استخدام القوة معها، ومررت خططها بالطريقة التي لا تخترق الخط الأحمر المرتبط بوقوع ضرر، حيث نفذت أديس أبابا الملء الأول منفردة العام الماضي، وشرعت في الملء الثاني قبل أيام بالطريقة ذاتها، واستخدمت من الحيل ما يمكنها من تقويض مبررات القوة.

يحتاج النظام المصري للقيام بعمل عسكري لزيادة الالتفاف حوله داخليا واستعراض عضلاته في أي من الاتجاهات الإقليمية، ودحض ما ترسّب في حسابات جهات كثيرة من أن القوة المصرية للردع، فالقاهرة التي صمدت بعد ثورة 30 يونيو 2013 وتجاوزت مطبات ثورة 25 يناير 2011، يمكنها أن تتخطى تداعيات أي عملية جراحية عسكرية، لأن الصبر الطويل يغري بالمزيد من التهديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى